الرئيسية | تحقيقات | بين أكوام النفايات والطمر الصحي.. يحصلن على لقمة العيش

بين أكوام النفايات والطمر الصحي.. يحصلن على لقمة العيش

بين أكوام النفايات والطمر الصحي.. يحصلن على لقمة العيش

 

تحقيق : كوثر الكفيشي

 كانت تغطي وجهها بوشاح أسود (الفوطة أو الشيلة كما يسميها البعض) لتحمي وجهها من إثنين من برودة الجو القارس ومن أعين الناس وألسنتهم، وتضع صغيرها على ظهرها لتتخلص من تمنن نساء إخوة زوجها من جهة وليكون تحت أنظارها مطمئنة الفؤاد رغم وجوده بين كوم القمامة والنفايات التي لا تحوي سوى الجراثيم والميكروبات القاتلة لها فكيف بصغيرها، وعندما سألتها لماذا تمتهنين هذه المهنة دون سواها؟ ردت علي بعد أن كانت قد نظرت إلي نظرة تنم عن انكسار الذات وانسحابها إلى أبعد ما يكون لتجيب وهي تحاول أن تبعد وجهها المبتل بالدموع المنهمرة من أحداقها من خلال اشغال نفسها بجمع النفايات لتقول: تزوجت في عمر مبكر لأن اسرتي كانت كبيرة ووالدي دخله لا يسمح له بإعالتنا، فعمل على تزويجنا أنا واخواتي الأربع بسن مبكر وذلك بعد أن كنا قد تركنا المدرسة لعدم اهتمام الاهل الذي انعكس علينا ليجعلنا مهملين في دروسنا ليتبعه بعدها تركنا لمقاعد الدراسة في السنين الأولى من مرحلة الابتدائية.. لم أهنأ بزواجي كثيرا حيث لم يمض على زواجي سوى أربع سنوات ليتوفى زوجي بسكتة قلبية مفاجئة بعد أن كان قد ترك لي طفلين مشيرة إلى صغير آخر يبعد عنها بخطوات والذي كان يقفز بين نفاية وأخرى إضافة إلى من كانت تحمله على ظهرها.. وها أنا لا أستطيع أن أعود إلى بيت أهلي فمضطرة بأن أبقى عند أهل زوجي وتجنبا للمشاكل التي سببتها لي نسوة اخوة زوجي، ولكي أكون معززة مكرمة بينهم لم أجد أمامي سوى هذه المهنة فلجأت إليها وأنتظر الفرج من الله عز وجل.

 انسحبت من أمامها وقلبي يبكي عليها دما لا دمعا، وقد تملكني الذهول لصبرها وإيمانها بالله بأن مع العسر يسرا... إن حالة (أم حسين) الشابة التي لم تكن قد طرقت أبواب العشرين بعد ليست الوحيدة في العراق بل أن هناك وخاصة في أطراف العاصمة بغداد وبالتحديد في منطقة المعامل نجد أعداد ليست بقليلة من النساء من مختلف الأعمار والحالات (متزوجة ـ أرملة ـ مطلقة ـ متأخرة عن الزواج) وقد اوضحت بعض الأستبيانات والنشاطات التي قامت بها منظمات المجتمع المدني المهتمة بهذه الشريحة من النساء، أن أعدادهن في هذه المنطقة تصل إلى نصف مليون امرأة، كما تظهر هذه الظاهرة في محافظة البصرة وخاصة في منطقة الحيانية التي تتواجد فيها الطمر الصحي، وقد أشارت الدراسات إلى أن هناك ما يقارب عشرين عائلة تعتمد في دخلها على هذه المزابل وأن معظم هذه العوائل لا تملك معيلا سوى تلك التي تأتي كل يوم إلى هذه الأكوام من الطمر الصحي.

 أما عن طبيعة هذه المهنة فهي تقوم أساسا على جمع قطع الحديد أو الصفيح وبيعها لمعامل كبس الفافون المعاد، مقابل أن تحصل على مبلغ قدره 1000 دينار عراقي عن كل واحد كيلو غرام من هذه الخردة.

 ويبلغ سعر كل واحد كيلو غرام من الخبز اليابس 300 دينار عراقي.

 ويعزى سبب قلة الأجور في هذه المهنة وكما بينته الشركة التركية العاملة في العراق: إلى تلكؤ الدولة في دفع المستحقات التي تعاقدت عليها مع هذه الشركات وعلى سبيل المثال نجد الشركة التركية تتقاضى 25 ألف دينار عراقي من الحكومة مقابل كل طن من النفايات!! فلماذا التلكؤ في صرف مثل هذا المبلغ ... ؟ هل لضخامته؟ أم لخجل الدولة لزهده؟ أم لدقتها في كيفية صرف الأموال من الخزينة لأنه حق الناس؟؟

 أيا كان السبب فإننا نلاحظ بأن مجلس أمانة بغداد والأمانة العامة لمجلس الوزراء سوية أكدا عزمهما على تطهير أماكن الطمر الصحي والمزابل وإبعادها من الأماكن السكنية والتخلص منها بطريقة صحية لا تضر بالانسان والبيئة على حد سواء وذلك في نهاية هذا العام أو مع بداية العام المقبل دون الإشارة إلى مصير هذه الشريحة من النساء المتعففات اللاتي يسدن رمق الجوع ويعلن عوائلهن يمتهن هذه المهنة المتعبة.

 ومن خلال الاستطلاعات والجولات الميدانية بغرض الاطلاع على هذه الشريحة وعن قرب تم التوصل بأن معظم هذه النسوة يعشن بلا معيل، ويتقاضين الراتب التقاعدي أو راتب الإعالة غير أن قلة المبلغ وعدم كفايته لسد متطلبات الحياة دفعتهن إلى البحث بين أكوام النفايات. كما أنهن قد شكين عن سوء معاملة أهل الزوج وتنصل الأخوة عن تقديم المساندة، ومنهن من شكين عن عقوق الأبناء الذي دفعهن للسير بين هذه الأكوام من النفايات.

 ومن هنا أظن بأنه علينا أن لا نلقي بكامل المسؤولية على كاهل الدولة لنطهر أنفسنا من المسؤولية التي سيحاسبنا الله عليها يوم لا تنفع فيه الحسرة أو الندم، فلو كل من يدعي الاسلام منا ويظن بأن الإيمان قد دخل إلى قلبه التزم بحذافير الآية الكريمة: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، وبذى القربى واليتامى والمساكين، والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا، وماذا عليهم لو ءامنوا بالله واليوم الآخر، و أنفقوا مما رزقهم الله، و كان الله بهم عليما} لما رأينا امرأة تلجأ الى النفايات ولا طفل يدق الأبواب ولا شيخا يفترش الطرقات ولا يتيماً يأوي في الملاجئ ولا عجوز تأن في دار المسنين.

: 153

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

5.00